2011-09-26 10:44:10
يعيش المشرق العربي مخاض الولادة والتجدد، نتمناه اشراقا لمشرق اصيل، ديموقراطي، متجدد، ورائد، محترم للإنسان وحقوقه وكرامته وايمانه وعيشه الكريم. بالطبع هناك مخاوف من اصوليات متنوعة. بالطبع هناك هواجس مشروعة ومخاطر لا بد من التنبه اليها. كل شيء ممكن، ولا شيء مضمون. فسياسات الدول قائمة على المصالح. فهل نقف مكتوفين قائلين بنظريات المؤامرة ومصالح الدول، ام نبني الامور على "الرجاء الذي فينا" على قول القديس بطرس، ونجهد مسالمين لخلق الوعي، وربط الايجابيات، وتحصين الوحدة الوطنية لتفادي المخاطر المميتة، ونسعى لقراءة مستقبلية شجاعة لدور مسيحي مشرقي رائد، نكون منتجين فيه لنهضة عربية ثانية، رافعين الصوت عاليا، محليا، اقليميا ودوليا، للدفاع عن مشرق عربي لا يكون فيه المسيحيون "محمية"، بل مواطنين في دولة المواطنة والتآخي، يتساوون مع اخوان لهم في العروبة، في الحقوق والواجبات؟
في هذا الاطار المتحرك، تشهد الطائفة الارثوذكسية في لبنان حراكاً حول ضرورة "استرجاع" الحقوق والمواقع في نظام لبناني لا يزال قائماً، ويا للاسف، على تقاسم "الجبنة" على قول الرئيس الامير اللواء فؤاد شهاب. هذا الحراك قد يكون له حيثيات ومشروعيات، وقد يكون ايضا خطاب سياسي فيه شيء من التعبوية الخطرة. والخطورة تكمن هنا في جعل الارثوذكس، في ظل واقع تراجعت فيه النوعية الوطنية وكثرت فيه المصالح الطائفية الضيقة، "طائفة كسائر الطوائف"، تقارب الواقع والمستقبل من منطلق طوائفي، اقلوي، مرضي، يقوم على الخوف من فقدان النفوذ ويسعى للمحافظة على الوجود الذاتي والمكاسب. ونكون بذلك قد استبدلنا منطق الطائفة "الجسر"، الذي كنا دائما عليه، بمنطق الطائفة "القلعة"، وهو غريب عن جوهر ايماننا وشهادتنا في العالم.
هل الخروج
من الطائفية يستدعي اليوم رفع رايتها، ارثوذكسيا، مداوين المرض بالتي كانت هي
الداء؟ وهل من يفصّل لنفسه رداء طابعه "ملّي" طائفي يستطيع ان يحض من
يلبس البسة مماثلة على خلعها لصالح الحلة الوطنية المشبوكة بألوان الوطن؟
الارثوذكس ليسوا بطائفة ككل الطوائف بل كنيسة المسيح.
فالطائفة لا تختصر الكنيسة، وهي معرضة دائما للجنوح نحو التمركز الطائفي.
فالطائفة، في مجتمعاتنا الشرقية، هي وريثة نظام الملل العثماني، اي مجموعة تفعل
فيها المصالح على اختلافها، تصاهر التديّن على حساب الدين والعصبية على حساب
الايمان. اما الكنيسة فهي حالة "ايمانية" تسعى لبنيان الانسان روحيا
ونقله تدرجا نحو الافضل، اي من الانسان "الطبيعي"، الذي هو للخطيئة على
قول القديس بولس، نحو الإنسان "الروحي" الذي هو للمسيح. فالكنيسة تسعى
جاهدة للشهادة اكثر منه للتمركز ولتجلي العالم اكثر من التلون بألوانه. والخطر
ينشأ في ازمنة الاحباط، عندما يبدأ المجتمع الكنسي ينظر الى ذاته انه طائفة تسعى
الى الوجود اكثر منه كنيسة تتوثب نحو الملكوت انطلاقا من الواقع لترفعه.
اما واقع الطائفة، فيبدو انه على الكثير من المساءلة، وهو يسعى ان يسترجع اليوم، في خطاب حول الحقوق، ماضيا زاهرا كانت فيه الطائفة الارثوذكسية في لبنان، طبيعيا، طائفة محورية، مركزية، متنوعة، ومنتجة لنخبة سياسية وطنية "لاطائفية". فالمطلوب من الارثوذكس اليوم هو السير بعكس التيار، اي ان يحجوا الى الوطن عندما يذهب الكل الى الحج الطائفي. ان يكونوا السباقين لايجاد السبل الوطنية للخروج من الطائفية البغيضة عندما يتدافع الكل للدخول في زواريبها الضيقة والمميتة. ان يدافعوا عن منطق الدولة المدنية والوطن الكبير الذي هو اقوى من الدويلات الصغيرة، وفيديرالية الطوائف واحزابها، مهما قويت. المطلوب تحصين مقومات الوجود الأرثوذكسي لجعله على نمو لا ينظر الارثوذكس فيه لانفسهم طائفة "مطالِبة" بل طائفة "مطالَبة" بدور رائد كانوا عليه دائما، في لبنان والمشرق، على وحدة وتنوع، "جسرا" للعبور و"قوة دفع" نوعية نحو مجتمعات أفضل. وهذا يتطلب من المجمع المقدس الانطاكي مبادرة جريئة لاطلاق التحضير لمؤتمر أرثوذكسي أنطاكي عام يجمع كل المواهب الارثوذكسية، من اكليريكيين وعلمانيين، يعقد في 2012 ، يؤسس للتوثب الانطاكي في المرحلة المقبلة في ضوء قراءة موضوعية لتجارب الماضي وحيثيات الحاضر وتحديات المستقبل. فكيف نرى ما يحدث في اوروبا والعالم من ازمات كيانية مختلفة، وما يحدث في احشاء محيطنا المشرقي، ولا نرى ان الدولة المدنية، الديموقراطية، الفاصلة للدين عن الدولة ضمن تناغم ايجابي بين السياسة والاديان، هي في سياقها المشرقي غير المستورد، غير ممكنة إن لم تترافق في المجتمعات المتعددة دينيا بعلمانية حاضنة للايمان ولكل الاديان. كيف لا نرى انها هي طريقنا للخروج تدرجا من الطائفية، التي تنهش بالجسم العربي واللبناني، وهي التي "تحمي" الجميع بالمواطنة والتساوي بالحقوق الدستورية والموجبات من كل انواع الاصوليات التي نرفضها جميعا. على الارثوذكس ان يتحركوا بشكل وجوهر عابر للطوائف والمجموعات وان يكونوا ما كانوا عليه نخبة "لاطائفية" تقدمية بالفكر، على صلابة في استقامة الايمان وذكاء في التموضع، نخبة متعددة الطاقات والمواهب، تحاكي الواقع بجرأة وتقرأ المستقبل على ثقة وصلابة فكر، رائدة للفكر المسكوني على تجذر في الواقع المشرقي، ومتقدمة في محاكاة الحداثة الغربية دون التنصل من اصالتها الشرقية والدفاع عن القضايا العربية.
(المسؤول الإعلامي لمجلس المطارنة الارثوذكس في فرنسا )

|
|

المفضلة







اضف تعليق على الخبر